حسناً، أين كُنت؟!

قبل ما يقارب العام من الآن توقفت عن العمل في مدونة علوم.

قبل عام تقريباً كانت الحياة تسير بطريقة روتينية. العمل منذ الصباح إلى المساء ثم الاستمتاع بوقتي الخاص في أواخر المساء.

عادة تكون هناك عدة مشاريع تسير بشكل متواز وأعمال أخرى مخطط لاستلامها في تواريخ محددة وفق خطة العمل. هذا هو الروتين المعتاد ولكني كنت متحمساً كذلك لأن هناك العديد من الأعمال الأكاديمية المخطط لها والتي توقعتُ لها أثراً طيباً على حياة العديد من سكان وطننا العربي.

وبما أن طبيعة عملنا مكتبية فلا بد من الاهتمام بالرياضة. فمن عجيب ما أعرفه عن نفسي أن ابتعادي عن الرياضة يؤثر على مزاجي تأثيراً كبيراً مثلما تؤثر المواظبة على الرياضة عليه إيجاباً!

ولكن ذات مساء…

توجهت إلى النادي، وكعادة من يحضرون مبكراً إلى التمرين يؤدون بعض التمارين البسيطة مثل الركلات الركنية، وعند ركلة ركنية مع لعبة هوائية هبطت على الأرض لأرى أن يدي تشكل زاوية غير طبيعية من منطقة الكوع.

بعد تفكير بسيط تمنيت أن تكون خلعاً في المفصل ويعاد إلى مكانه في الملعب ولكن يبدو أنه كان من الحالات قليلة الحدوث التي يخلع فيها العظم ويُكسر جزء من المفصل.

بعد أيام قليلة من الرحلة العلاجية والتي كانت حافلة بالزيارات المتكررة للأطباء لندرة نوع الإصابة وقلة تجارب الأطباء فيها واختلاف الاستشارات قررت أن أعود إلى ترتيب الأعمال المعلقة، حيث أن الكثير من الاستشارات تدل على رحلة علاج متوسطة إلى طويلة الأمد.

قررت حينها أن أتخلى عن جميع المشاريع الجارية والمخطط لها بالتنسيق والاتفاق مع أصحابها مع تحمل كافة تبعات ذلك من أجل التفرغ للرحلة العلاجية. تم ذلك بالنسبة لجميع المشاريع ما عدا مشروع واحد أصر صاحبه على عدم تسلم المشروع وانتظاري مهما طال الأمد! كان اصراره محل تقدير وهو المشروع الوحيد الذي عملت عليه بيد واحدة على لوحة المفاتيح.

بعد التفرغ من الأعمال واتضاح رحلة العلاج بعد شهر من الزيارات شبه اليومية للأطباء بدأت فترة النقاهة مع العودة التدريجية للأعمال الضرورية. خلال هذه الفترة كانت هناك العديد من الوقفات مع النفس والمفاجآت التي لم أتوقعها.

اكتشفت أن العمل على لوحة المفاتيح إدمان، وصوت الطرقات على لوحة المفاتيح نغم جميل. كان البعد عنها مؤلما والنظر إلى لوحة المفاتيح من أجل أن أطرق أحد الحروف مؤلماً. فلم أكن أنظر إلى لوحة المفاتيح أثناء الكتابة إلا لماما.

وجدتُ أن روح الاكتشاف وإيجاد الحلول تصرخ فرحاً. فلكي تتعايش مع الحياة بيدٍ واحدة يجب أن تفكر في كل شيء تريد فعله وتتعلم من جديد وكأنك طفلٌ صغير. كان نجاحُ كل مهمة صغيرة يضاهي نجاح تشغيل شفرة مصدرية من أول مرة. كيف تغلق الأزارير، كيف تنام مع جبيرة، كيف تربط الحبل، وكيف وكيف وكيف…

تحولت الحياة من السرعة إلى الرتابة والبطء. يالها من طمأنينة حين تشعر باللاشيء وتحملق في السقف بتلك النظرة الفارغة. لم أعد أشعر بأن اليوم على وشك الانتهاء ويجب أن أنهي المهام وفق أوقاتها، لم يعد الوقت عاملاً مهماً وهي حياةٌ نسيتها لوقت طويل.

وقفةٌ مع النفس كانت في مجال عملنا، وبعد حمد الله الذي قدر ولطف نظرتُ في أهمية اليدين على عملنا وتأثير الاصابة على عملنا والبدائل التي يقدمها بعض المبرمجين لذوي الاحتياجات الخاصة. كان شعوري مختلفاً لهؤلاء المبرمجين الذي يستحقون كل التقدير. ففي وقت ما بحثت عن كتابة الشفرات المصدرية عبر الصوت مثلما يفعل هذا الشاب في هذا الفيديو

حسناً، لم يكن الأمر كله ممتعاً تماماً. كانت فترة عصيبة في أوقات عديدة. ولكن في نهاية الأمر أصبحت من الماضي والتطلع إلى جميل ما هو آت منذ البداية كان وما زال زاد الطريق.

ومع اقتراب الوصول إلى مرحلة التعافي، أعود مرة أخرى إلى مدونة علوم التي جمعتني بكم لنواصل ما بدأناه عبر العودة التدريجية إلى أهدافنا السابقة وعملنا السابق وكلي أمل أن يعوض ما هو قادم فترة الغياب السابقة بأن يكون ذا نفع أكبر لكم وألا يزورنا قارئ إلا ويجد الفائدة بين طيات هذه المدونة.

مصطفى الطيب

صديقٌ لنُظمِ المعلُومات و عُلومِ الحَاسِب و مُختصٌ بهما، مُحبٌ للعِلمِ و نَشرِه. أُشاركُ معارفي و تَجاربي و خِبراتي في تَدويناتٍ و دوراتٍ من خلال مُدونةِ عُلوم.

‫3 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى