لا تُسارع في تعلّم لغات البرمجة الحديثة: هل نستطيع فعلاً أن أن نثق في معادلة [لغة برمجة أحدث = راتب أعلى] ؟

راتبُ مبرمج لغة كوبول يكون أعلى من راتب مبرمجي اللغات الحديثة مثل php و asp.net وجافا أحياناً، بل وأعلى من عالم البيانات!

يمثل الراتب المتوقع عاملاً مهماً -بجانب الهدف من التعلّم- في تحديد لغة البرمجة التي سيتعلمها الراغب بالالتحاق بركب المبرمجين.

وبرغم توسع وانتشار مهنة البرمجة فإن رواتبها ما زالت مبهمة بالنسبة المبتدئين. فبالرغم من انتشار المهنة وانضمام الكثيرين إليها حتى من ذوي الاختصاصات التي لا تتعلق بالبرمجة إطلاقاً لا زال سلم رواتبها غير واضح تماماً نسبةً لأمرٍ بسيطٍ جداً…

وهو أن انتشار مهنة البرمجة حدثَ في وقتٍ قصير وما زالت المهنة في تطوّر متسارعٍ جداً ما يعني تغيُّراتٍ متواصلة في هذا المجال وفي مسميّاته الوظيفية وعوائده الماديّة وهياكلها كذلك.

ولأن البرمجة مهنةٌ حديثة فغالباً ما تتوقّع أن هذه المهنة كغيرها من المهن ومنطِقُ العمل فيها مثل غيرِها. ولكن هنالك حالاتٌ ربما تكونُ مختلفة سنتطرّقُ لها في هذه التدوينة.

الراتب سبب مشروع لاختيارِ لغةِ البرمجة القادمة

ربما تكون قد اختلفت معي منذ مقدمة هذه التدوينة عندما تحدثتُ عن أن العائد المادي من أسباب اختيار لغة البرمجة التي سيتعلُّمها من يرغب بالالتحاق بركبِ المبرمجين.

إذا كُنت كذلك لا ألومُك إطلاقاً. فللهوى أحكامٌ غيرُ منطقيّة إطلاقاً.

ولكن من يمتهن البرمجة عملاً ويأمل أن يعيشَ بها فلا بُد أن يتوقّع عائداً مادياً منها بحالٍ من الأحوال. هذا العائد قد يحدّدُ قدرته على العمل في المجال ومواصلته أو مغادرةَ المجال إلى الأبد.

ما أجمل أن يجتمع الشغف بالعائد المُجزيما أجمل أن يجتمع الشغف بالعائد المُجزي 🙂

ربما يكون هذا سبباً مهماً لانتقال المبرمجين من لغة برمجة إلى أخرى. فهم يرغبون بالمحافظة على عائدٍ مادّي مُجزٍ وفي نفس الوقتِ يُشبعون شغفهم بالبرمجة وعلومها ومتعتها.

دعني أُخبرك شيئاً عن تجربة.

تعلُّمُ لغة برمجةٍ جديدة أمرٌ مكلّفٌ.

قد يُجبرك موتُ لغة البرمجة أو ظروفُ العمل أو المشاريع القادمة على تعلّم لغة برمجةٍ جديدة. الأمرُ ليسَ بسيطاً جداً.

صحيحٌ أنك تستطيع تعلّم لغة برمجةٍ أُخرى بصورة أسرع ما دُمت تمتلكُ خبرةً مسبقة في احدى لغات البرمجة، ولكن، يظلُّ بالأمرِ تغييرٌ وجُهدٌ وخروجٌ من منطقةِ الراحة أو بالأحرى .. منطقةُ الخبرة.

فبعد عدّة سنوات من العمل على احدى لغاتِ البرمجة تُصبحُ خبيراً بها إلى حدٍ معقول، ومن الطبيعي أنّهُ كلّما زادت خبراتُك البرمجية زادَ تبعاً لها ولعدّة عواملٍ أُخرى تقديرُك كمُبرمج وزادَ عائدُك المادّي.

ماذا تتوقع عن رواتبِ مبرمجي لغاتِ البرمجةِ التي قارَبت على الاندثار؟

شخصٌ ذو خبرةٍ في لغةِ برمجةٍ قديمة، بعضهم يقول عنه أنّهُ لم يطوّر خبراته ولم يواكِب العصر، والبعضُ الآخر يصمُهُ بأنّهُ يقتل نفسه بمحاولة مجاراة تحديثات لغات البرمجة القديمة وحل مشاكلها !!

إذا نظرتَ إلى العائدِ المادّي لشخصٍ خبيرٍ بلغةِ برمجة قديمة (كوبول مثلاً) هل تتوقع أن يتحصل على راتبٍ عالٍ قد يفوق أحد المختصين بالتقنيات الحديثة؟

هل قُلت لا؟

رواتب وظائف معروضة لبعض مبرمجي كوبول
رواتب وظائف معروضة لبعض مبرمجي كوبول – من موقع glassdoor

صديقي، أحياناً يحدث العكس! دعنا نستنتج مما سيأتي..

يوجد في عالم الأعمال معيارٌ مهم جداً لإقرارِ تنفيذِ عملٍ ما أو تركه.

المعيارُ هو مقارنةُ التكلفة مع العائد.

مثلاً.. بغضّ النظر عن التقنية، يقيسُ أصحابُ الأعمال العائد من تغيير لغة برمجةِ نظامِ عملوا على تطويره بلغة برمجة قديمة لعدة سنوات إلى لغةِ برمجةٍ حديثة.

نسبةً لضخامة العمل قد تكون تكلفةُ التغيير كبيرة ويرى أصحابُ الأعمال أن تغيير النظام إلى لغة برمجة حديثة ليس ذو عائدٍ بالنسبة إليهم لأنه من غير المتوقع أن يحتاجوا إلى التحديث أو التغيير في النظام والنظام يؤدي حالياً المهام المتوقعة منه باستقرار!

المبرمجون قد يرون أن الإبقاء على التقنياتِ القديمة أمرٌ غيرُ منطقي، ولكن أصحاب الأعمال هنا بنوا قضيّةً ذاتَ منطقٍ قوي، وفي الغالب تُنفّذ وجهةُ نظر صاحب العمل.

فلنفترض أن ذلك النظام مبنيُّ بلغةِ كوبول القديمة!

سيبدأ أصحابُ العمل بالبحث عن مبرمج كوبول ليساهم في الحفاظ على النظام وعمله 🙂

ولكن من الصعب الحصول على مبرمجِ كوبول مؤهل في هذا الزمن. أو على الأقل ليسوا بوفرةِ مبرمجي لغةِ Python.

هنا يأتي قانونٌ آخر وهو قانونُ العرض والطلب.

الشرارة التي تزيد راتب المبرمج وإن كانت لغةُ برمجته منذ عصور

هَب أنّك تدير شركةً ما ولديك برنامجٌ إداري مبنيَُ بلغة قديمة، كوبول أو غيرها من اللغات التي لم يعد مبرمجوها متوفرون بما يكفي.

ادارة الاعمال

واجه برنامجُ شركتك الإداري مشكلةً أوقفتهُ عن العمل، بعد البحث والتحليل اتضح أن أمامك أحدُ خيارين:

  1. استبدال البرنامج ببرنامج آخر مبنيٌ بلغة برمجةٍ حديثة بتكلفةٍ تُقدر بـ 2,000,000 دولار.
  2. توظيف مبرمج كوبول لحل المشكلة وضمان تسيير العمل براتب 10,000 دولار علماً أن متوسط رواتب المبرمجين 5,000 دولار.

في العادة تكونُ الحسابات أكثر تفصيلاً، ولكن من لمحةٍ سريعة وحسابٍ على المدى القريب فإنّك ستختار توظيف مبرمج كوبول بضعفِ الراتب الذي ينالهُ مبرمج لغة حديثة لحل مشكلتك القائمة حالياً.

ولكن…

لماذا كان راتبُ مبرمج لغةِ كوبول أعلى؟

القانون الأول : الزيادة في الطلب (مع ثبات العرض) تلحقها زيادة في سعر التوازن وسعر الكمية.
القانون الثاني : النقص في الطلب (مع ثبات العرض) تلحقها نقص في سعر التوازن وسعر الكمية.
القانون الثالث: النقص في العرض (مع ثبات الطلب) تلحقها زيادة في سعر التوازن ونقص في كمية التوزان.
القانون الرابع: الزيادة في العرض (مع ثبات الطلب) تلحقها نقص في سعر التوازن وزيادة في كمية التوازن. القوانين الاربع الأساسية للعرض والطلب

إذا افترضنا أن عدد مبرمجي لغةٍ ما والمتواجدين في منطقة معيّنة 2، وعدد الشركات التي تحتاج إلى مبرمج كوبول 5، في هذه الحالة سيرتفع سعر المبرمج وفقاً للقانون الأول للعرض والطلب.

فأينما ووقتما ازداد الطلب على مختصي لغةِ برمجةٍ ما في وقتِ نُدرتهم ارتفعت أسعارهُم.

ماذا تستفيد من معرفتك لقوانين العرض والطلب كمبرمج

برغم قصر قوانين العرض والطلب إلا أنها تحكُم تحركّات الاقتصاد ومعدّلات الرواتب إلى حد كبير.

ومع معرفتك لهذا القانون يجب أن تعلم:

  • كمُبرمجٍ مُبتدئ، لغةُ برمجةٍ شائعةٍ لا يعني دائماً عائداً أكبر.
  • لا تبحث عن أكثر لغات البرمجة شيوعاً لتتعلمها معتقداً حصولك على راتبٍ مجزٍ، اختر اللغة التي تحققُ أهدافك.
  • انحدارُ الطلب على لغةِ البرمجةِ التي تُتقنها مع قلةِ عدد المُبرمجين الخبراء قد يؤدي أحياناً إلى ارتفاع راتبك.
  • إذا كانَ هدفُك هو العائدُ المادّي فإنّ أفضل ما تفعلهُ لتحقيق هدفك هو أن تتخصص في مجالٍ مطلوبٍ بشدّة مع نُدرةٍ في عددِ المُختصين في المجال.
  • اعلم أن المؤسسات التي تستخدم البرمجيات كوسيلة مساعدة لا تهتم باستخدام أحدث التقنيات ما لم يكُن لها فائدةٌ ملموسة في مجال أعمالهم.

الخلاصة

تطور التقنية السريع أدّى إلى إبهام معدّل رواتب المبرمجين، وعلى الرغم من ذلك يخضع معدّل رواتبهم إلى قانون العرض والطلب أوّلاً.

قلّة استخدام أو انتشار لغةُ برمجةٍ ما لا يعني بالضرورة راتباً أقل، وانتشارُها قد يكون دليلاً على تدني رواتبها والعكسُ صحيح، ولا تعتقد أن قوانين العرض والطلب فقط هي ما تحكم معدّل الرواتب، فالاقتصاد أمرٌ أكبر من ذلك.

اختر لغةَ البرمجة التي ترغبُ بتعلّمها بعناية فائقة، حدّد هدفك من تعلّم لغة البرمجة أولاً ثم ابحث عن لغاتِ البرمجة التي تُحققُ لك ذلك الهدف ثم انتقِ منها ما تشاء.

تنبيه: المُتميزون يحصلون على رواتبٍ مجزية دوماً، تميّز إلى الحدّ الأقصى مهما كانت لُغتُك البرمجية.

مصطفى الطيب

صديقٌ لنُظمِ المعلُومات و عُلومِ الحَاسِب و مُختصٌ بهما، مُحبٌ للعِلمِ و نَشرِه. أُشاركُ معارفي و تَجاربي و خِبراتي في تَدويناتٍ و دوراتٍ من خلال مُدونةِ عُلوم.

مقالات ذات صلة

‫6 تعليقات

  1. ولكن ما رايك اخي مصطفى ازا وجدت ان لغة البرمجة التي تجيدها قل الطلب عليها اتجلس مكتوف الايدي ام تحاول ان تواكب التقنيات التي يزداد الطلب عليها يوما بعد يوم

    1. إذا كان قرار تعلم اللغة الجديدة مبنيٌّ على معلومات واقعية تفيد بأن الفائدة ستحصل للمبرمج فلا بأس. ولكن ما لا يجب فعله هو أن تحاول كمبرمج تعلّم كل جديد من أجل أنه جديد فقط.

  2. السلام عليكم ورحمة الله ‏وبركاته أنا أبغى استفسر ‏أنا أبغى ادرس علوم الحاسب بس ماعرف ادرس في ايت جامعة ممكن تساعدني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *