هل من الممكن أن تُسرق بياناتك بدون تجسس أو اختراق؟!! أفكار حول مفاهيم الخصوصية في الشبكات الإجتماعية [فيسبوك]

ماذا تستطيع فيسبوك أن تفعل ببياناتك

لا بد أنك تؤمن أننا أضحينا في زمن من الصعب جداً التخلص من قواعد البيانات المُنتشرة حتى في جيوب سُكان الكُرة الأرضية في صورة هواتف محمولة فما بالك بتواجد البيانات التي تمتلكها شركات التواصل الإجتماعي. تخيل كم ضعفاً تُساوي البيانات المُخزّنة بخوادم شركات التواصل الإجتماعي مقارنة بمجموع البيانات المُخزنة بالهواتف المحمولة.

قبل أن أتبحّر معك في هذه التدوينة لا بد أن نتفق على معلومات بسيطة أذكرها للتأكيد و لمن لا يعرفها.
ذكرتُ لك في عنوان التدوينة ماذا تستطيع فيسبوك أن تفعل بـ “بياناتك” و لم أقل “معلوماتك“، رغم أن الكلمتين في مجتمعنا العربي شبه مترادفتين، تحل إحداهما محل الأخرى بلا غضاضة. مثلما يقال بين العبقرية و الجنون شعرة فبين البيان و المعلومة شعرة، هي أن البيانات بعد مُعالجتها تُنتج معلومات.

إذا بدأت بسؤال تسع أشخاص يجلسون حولك عن أسمائهم و سجلت إجابة كل واحد منهم على ورقة، فإذا أجابوك جميعاً بأن إسمهم (أحمد)، فأنت تملك بورقتك تسعة أسطر تشمل بيانات “خام” تُعبر عن إسم كل واحد منهم. نستخلص من هذه الورقة أنك تجلس مع (تسع أشخاص إسم كل واحد منهم أحمد)، و ما هو مذكور بين القوسين هو المعلومة المُستخلصة من القائمة.

لاحظ أن المعلومة تذكر أنك كُنت تجلس مع (تسع أشخاص) رغم أنك لم تذكر في الورقة أنهم تسع، و لكن هذه المعلومة تم إستخلاصها بعد معالجة البيانات الموجودة بالورقة.

في حديثنا ذكرنا تسع أشخاص يتحلقون حولك، و لكن إذا كان عدد هؤلاء الأشخاص تسع آلاف، فلا بد أنك ستحتاج إلى أوراق كثيرة و ربما تكون غير منظمة أو صعب الوصول إليها و تقسيمها و إدارتها، لذا وجدت قواعد البيانات حيث تكون مجموعة من البيانات مُنظمة بطريقة معيارية مُتفق عليها مُسبقاً من أجل تسهيل  إدارة هذه البيانات و التعديل فيها و الوصول إليها. هذا هو مفهوم قواعد البيانات.

تبقى أن نذكر الخوادم (Servers) و مراكز البيانات (Data Centers). أما الخوادم فهي الأجهزة التي تؤدي دور الخادم فعلاً بتقديمها للخدمة التي تطلبها عند تصفحك للإنترنت كمثال. فعندما تُشغّل مُتصفحك على هاتفك المحمول أو على حاسبك، ثم تطلب مشاهدة صفحة مدونة علوم مثلاً، فإن من يلبي طلبك هو أحد الخوادم. و علاقة الخوادم بقواعد البيانات وطيدة. حيث أنك على كل حال تطلب مشاهدة بيانات أو معالجتها. فأثناء قراءتك لهذه الصفحة فقد طلبت سابقاً من أحد الخوادم أن يوفر لك البيانات التي كتبها شخصي لتُشاهدها على حاسبك أو هاتفك المحمول.

في أبسط الأحوال عند تصفحك فإن توفير الخدمة المطلوبة ربما يتم من خادم واحد. و لكن عندما نتحدث عن شركات التواصل الإجتماعي كمثال فيسبوك، فإننا لا نتحدث عن بياناتك أنت فقط، هذه بياناتك أنت و عائلتك و أصدقائك و خُمس سُكان الكرة الأرضية –فوفقاً لتصريح لشركة فيسبوك فإن خُمس سُكان الكرة الأرضية يملكون حسابات نشطة على فيسبوك!!-. فلا بد أن توجد خوادم كثيرة، و عندما يكثر الشيء لا بُد من تنظيمه، فهذه الخوادم تُنظم في مراكز تُسمى مراكز البيانات، حيث يُخصص جزء من المبنى أو حتى مبانٍ كاملة بمواصفات تُحافظ على حياة الخوادم (من هذه المواصفات درجة حرارة مُحددة، توصيلات مُنظمة، تهوية جيدة، توفير الطاقة البديلة عن إنقطاع التيار و غيرها).

إذا كُنت تفكر الآن في كم من الخوادم تحتاج فيسبوك فأنصحك أن لا تُفكر في هذا! بل فكر في كم من مراكز البيانات تملك شركة فيسبوك من أجل تشغيل هذا الموقع.

ما هي البيانات التي تجمعها شركة فيسبوك

  • لا يخفى عليك عند تسجيلك في موقع فيسبوك فلا مناص من إدخال بعض البيانات الأساسية التي تُطلب لفتح الحساب مثل البريد الإلكتروني و الإسم و جنسك و تاريخ ميلادك، كما لا يخفى عليك أن شركة فيسبوك تطلب منك إدخال البيانات الحقيقة و الحقيقية فقط لا غير، و تطلب من بعض الحسابات التي تشتهر إرسال صورة من مستند رسمي لإثبات الشخصية حتى تؤكد على ملكية الحساب بعلامة صحَّ الزرقاء الشهيرة.
  • بعد ذلك تدخل عند بداية إستخدامك لموقع فيسبوك تجد أن كثيراً من الخانات مطلوبة حتى تُكمل إعدادات حسابك، هذه البيانات غالباً ما تُساعدك على إيجاد الأصدقاء و التعرف عليهم، مثل أماكن دراستك و سكنك و عملك مع نبذة شخصية عنك و صورة شخصية و غيرها من البيانات الأساسية.
  • تبدأ بإستخدام موقع فيسبوك و التعرف على الأصدقاء و تتداعى الذكريات، ينشر أحدهم صورة قديمة و يؤشر إلى وجودك فيها مع إمكانية كتابة التاريخ، بهذا يجمع فيسبوك بيانات عن أين كُنت في ذلك الوقت مع الصورة. و في هذه الأيام ينشر لك ما حدث معك السنة السابقة.
  • عند ذهابك إلى إحدى المناطق بمدينتك مثل المقهى و المطعم و المناطق السياحية فبإمكانك أن تستخدم خاصية نشر موقعك مع وضع تعليق مثل القهوة لذيذة، المكان مزدحم، الأسعار غالية أو أنني أستمتع حتى الثمالة. كما أيضاً يوفر فيسبوك خاصية أن تذكر عن سفرك من مكان إلى مكان آخر من أي مكان تُسافر و إلى أي مكان. و بإمكانك مراجعة جميع المناطق التي زُرتها و شاركت فيها موقعك عن طريق خريطة فيسبوك من أجل الذكريات و الفائدة.
  • يُنشئ بعض المطورين بعض التطبيقات من ألعاب و إختبارات بعضها مجاني و بعضها مدفوع، فإذا كُنت من مدمني الألعاب و تستطيع الدفع مثلاً فسيكون سجل مدفوعاتك متوفراً لدى فيسبوك، كما إن كُنت تُجرب و تميل إلى الإختبارات النفسية فإن نتائجها أيضاً توجد لدى فيسبوك.
  • مما لا شك فيه، كلّما توسعت دائرة أصدقائك ما بين الطفولة إلى المدرسة إلى الحي إلى العمل إلى المدينة إلى الأهل إلى الأصدقاء و من أُجبرت على قبول صداقتهم 🙂 توفرت بياناتٍ إضافية لدى فيسبوك.

قطعاً لم أذكر جميع الطُّرق التي توفر البيانات لموقع فيسبوك، و ربما طرقت ذهنك الآن بعضُ ذلك، و لكن هذه الأنواع تكفي حتى نصل إلى خلاصة التدوينة.

إتفاقيات الخصوصية بعد جمع البيانات

أُريدك أن تتساءل لماذا ذكرتُ إتفاقيات الخصوصية “بعد جمع البيانات” و ليس قبلها؟ سأجيبك بأنه ليس من حقك بتاتاً أن ترفض إتفاقيات الخصوصية على مواقع الإنترنت عموماً. فأغلب مُستخدمي الفيسبوك قد تغيرت إتفاقيات الخصوصية أثناء إستخدامهم للفيسبوك، لم تكُن هناك إنتخابات أو تصويت لقبول الإتفاقية الجديدة. و إنما كلمات بسيطة غالباً. في حال واصلت إستخدامك لموقع فيسبوك بعد تاريخ **/**/*** فأنت توافق على الإتفاقية الجديدة.
ماذا تستطيع فيسبوك أن تفعل ببياناتكهل بإمكانك رفضها؟ لا، هل تتوقع أنك ستتوقف عن إستخدام فيسبوك إذا لم تُعجبك إتفاقية الخصوصية أو أحسست فيها خرقاً لخصوصيتك؟ الإجابة هي تستطيع و لكن لا أتوقع أنك ستفعل. فالفيسبوك أصبح وسيلة مهمة للتواصل مع الأصدقاء و لإجراء الأعمال أيضاً بغيابه تنقطع عن كثير من الناس، ناهيك عن إدمان الفيسبوك كمرض 🙂 .

بعيداً عن رسميات إتفاقيات الخصوصية ماذا يتوقع مستخدم موقع فيسبوك منه فيما يتعلق بالخصوصية؟ 

  • أن تكون الرسائل الخاصة خاصة.
  • أن يُحذف من موقع فيسبوك ما يتم حذفه.
  • أن لا يُستغل المستخدم تجارياً و لا تُباع حقوقه.
  • أن لا تُستخدم بياناته تحليلاً أو إحصائياً لمنفعة أي جهة كانت.

أتوقع أن هذه النقاط من أكثر النقاط المُتفق على وجوب توفرها، في تجربة بسيطة أجريتها على مسح صورة من موقع فيسبوك هل تُمسح فوراً أم لا. شاهد الفيديو للتجربة أدناه و بإمكانك تجريبها بنفسك أيضاً.

كيف تُستخدم بياناتك في موقع فيسبوك

الإستخدام المُعلن لبياناتك في فيسبوك

من الواضح تماماً أن الإستخدام العلني لبياناتك على موقع فيسبوك يصب في صالح التواصل و ربطك حتى بمن لم تحلم يوماً أنك ستلتقيه يوماً ما. جميع مراكز بيانات فيسبوك تربطك إحداها بالأخرى، و تجد أن طلاب مدرستك الأولى و أبناء حيك الذي هاجرت منه بل عائلتك المقربة من الأشخاص الذين يقترح عليك فيسبوك إضافتهم كأصدقاء. لماذا؟ لأن موقع فيسبوك يعمل كشعاره، ربط كل شيء بكل شئ. هذا هو الإستخدام الذي يراه الجميع و المُتاح علناً.

الإستخدام غيرُ المُعلن لبياناتك في فيسبوك 

رغماً عن ما هو معروف لدى أغلب الناس من الفضائح المُتعلقة بالمحافظة على الخصوصية و أمن المعلومات المُتعلقة بفيسبوك و التي نُشرت بطرق كثيرة منها ويكيلكس و عن طريق إدوارد سنودن و الذي ترك وكالة الأمن القومي من أجل فضح طرق عملهم، رغماً عن كُلّ ذلك لن أحدثك عنهم، و لكن أُحدثك عن رد وحيد يرد به كثير من الناس عندما يُسأل لماذا لا تهتم بخصوصيتك؟ فيقول ليس لدي ما أُخفيه، و إن عُلم فهو لن يصنع فارقاً.

هذا يُعيدنا إلى بداية التدوينة حين تحدثنا عن إستخلاص المعلومات من البيانات، من ورقة تحتوي على تسع أسماء فقط إستخلصنا معلومة واحدة إضافية و نستطيع إستخلاص أكثر، فماذا تتوقع من الممكن إستخلاصه مع كل هذا الكم من المعلومات التي يجمعها و تتوفر لدى فيسبوك؟!!

لا يخفى عليك أن بعض أساليب المُخابرات المقروء عنها في تجنيد العُملاء أنهم لا يطلبون منهم توفير أمور سرية، بل يُطلب منهم توفير بيانات طبيعية جداً بحيث لا يشعر العميل بأن هذه البيانات من الممكن أن تُشكل خيانة وطنية أو فارقاً لصالح العدو، مثل توفير عدد جوالات الأُرز في إحدى البقالات مع أسعارها، و التي من الممكن أن تؤوّل إلى الحالة الإقتصادية من حيث توفر الغذاء الأساسي لهذه المدينة فإذا نقص الغذاء فربما يجري تخزين مورد الغذاء الرئيسي إستعدادا لحرب ما أو أن الفرصة مواتية لضرب هذه المنطقة!!. و من الممكن أن يكون أكثر من عميل يوفر هذه البيانات و يقول “لن تصنع فارقاً”.

سمعت أحد الأمثلة التي تتحدث عن إحدى طُرق التجسس البسيطة التي أُتبعت سابقاً قبل توفر الهواتف المحمولة و الإنترنت عند التخطيط لقصف إحدى المدن بدولة أخرى فإن المخابرات تتصل هاتفياً على عدد من الأطباء في تلك المدينة لحجز موعد و سؤالهم عن الجو في هذا اليوم هل هو جميل و مناسب لحجز موعد؟ 🙂 . فإن كان جميلاً فالطائرات سوف تجعله كئيباً بما يكفي و سيكون موعدهم مع القنابل. أما إن كان ممطراً أو مُغبراً فهذا من حظ الأطبّاء فالطائرات لا تُحلق في الأجواء السيئة. بيان بسيط يُدمر مدينة!!! يا للهول.

  • بيانات أعمار مُستخدمي فيسبوك مع بيانات أُخرى قد تنتج معلومات مثل: متوسط أعمار المُعارضين و المؤيدين لنظام الحكم.
  • بيانات وظائف مُستخدمي فيسبوك قد تنتج معلومات مثل: مُعدل الإنتقال في العمل بين الشباب، نسبة البطالة، معدل الترقيات في إحدى الدول أو لإحدى الأعمار.
  • بيانات الأصدقاء مع بيانات أخرى قد تنتج معلومات مثل من هو أقرب صديق لك، في حال رغبت جهة في إرسال شخص للتحدث معك ما هي نوعية الأشخاص الذين تُفضل التواصل معهم.
  • بيانات المناطق و صورها توفر معلومات مثل: جودة الحياة في المناطق و المدن، نوعية زوار تلك المناطق.

عندما تقول “ليس لدي ما أُخفيه” فهذا يعني أنك تقول “أنا لا أهتم بحق إخفاء بياناتي” بالتالي فأنت تقول “لا أملك هذا الحق، لأني وصلت إلى نقطة حيث أحتاج أن أُبرر ذلك.” الطريقة الطبيعية التي تعمل بها الحقوق هي أن الحكومة يجب أن تبرر سبب وصولها إلى بياناتك. إدوارد سنودن  »

 

بعيداً عن جدلية هل يجب أن نوقف إستخدام فيسبوك و ما هو البديل، قدمتُ لك حقائق محضة أتمنى أن تكون قد أضافت لأبعاد تفكيرك عن بياناتك المُنتشرة ليس بموقع فيسبوك وحده، و لكن في كل شبكات التواصل الإجتماعي و مواقع رفع الملفات و البريد الإلكتروني و كل ما هو على نار الإنترنت، فليس الفرقُ بينهم بكبير. و إعلم تماماً أن إضافتك لبيان لا يتطلب إضافته في أي مكان يصنع فارقاً بكُل تأكيد.

مصطفى الطيب

صديقٌ لنُظمِ المعلُومات و عُلومِ الحَاسِب و مُختصٌ بهما، مُحبٌ للعِلمِ و نَشرِه. أُشاركُ معارفي و تَجاربي و خِبراتي في تَدويناتٍ و دوراتٍ من خلال مُدونةِ عُلوم.

مقالات ذات صلة

‫8 تعليقات

  1. من أفضل تدويناتك على المدونة الرائعة
    نريد المزيد من التدوينات حول هذا الموضوع لو سمحت
    و شكرا جزيلا لك،،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *